اسد حيدر
50
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
واحتياطه عن أي مؤاخذة من المنصور له ليستحل بها دمه فإنه لم يبق طريقا إلا سلكه ، من إرسال الكتب المزورة عن لسان شيعة جعفر بن محمد يدعونه للنهوض وإرسال الأموال الكثيرة مع أناس استخدمهم المنصور لهذه الغاية عساه أن ينجح بموافقة جعفر عليه السّلام في قبض المال أو جواب الكتب ، لتكون له وسيلة للقضاء على الإمام ، ولكن تلك المحاولات ذهبت بدون جدوى وكان نصيبها الفشل . وإن المنصور ليهمه أمر جعفر بن محمد أكثر من غيره وله معه أخبار أهمل كثير من المؤرخين ذكرها ، وكانت بينهما صلة أيام بني أمية وعاشره في خلافته أكثر من عشر سنين ، ولقي في هذه المدة جهدا وامتحن غير مرة ، وكان الخطر محدقا به والمنصور لا يجهل مكانته عليه السّلام ، فهو الشخصية التي كان يتطلع إليها الناس يوم طلع فجر النهضة العلمية ، وكان لمدرسته حركة واسعة ونشاط علمي ، وازدحم عليه طلاب العلم ، واشتهر ذكره ، وكان زعيم أهل الحديث في معركة أهل الرأي وأهل الحديث كما يأتي بيانه . فكان المنصور يخشى خطر هذه الشهرة ، ويحذر من حدوث انقلاب مفاجئ من قبل العلويين ينضم إليه علماء الأمة الذين اتصلوا بجعفر بن محمد وعرفوا منزلة أهل البيت ، مع علمه بمعارضته لبيعة محمد بن عبد اللّه فإنه اعترض على هذه البيعة معلنا أنها جاءت سابقة لأوانها ، ولكن المنصور يخشى أن يترأس الإمام الصادق دعوة العلويين فيشتد الخطر على الدولة الجديدة . ولكن جعفر بن محمد كان بحدسه الصائب ونظره الثاقب يخترق الحجب ويستشف أحداث المستقبل ويخبر بكثير من الكوائن قبل وقوعها . فكان من رأيه عدم التعرض لطلب الأمر ، ونهى قومه عن عقد تلك البيعة وكان ينصحهم في التجافي عن شؤون الدولة في عصره ، وقد عرض عليه الخلافة أبو سلمة الخلال وزير آل محمد في بدء الدعوة ، قبل وصول الجند إليه فأبى الإمام قبولها ، ولم يقنع أبو سلمة بهذا الرد وحاول إقناع الإمام بكل صورة ، وعند ما أقبلت الرايات كتب أبو سلمة إليه : إن سبعين ألف مقاتل وصل إلينا فانظر أمرك « 1 » فأجابه بالرد وأن الأمر للسفاح وللمنصور من بعده . كما أنه عليه السّلام لم يستجب لما دعاه إليه أبو مسلم الخراساني قائد الثورة في
--> ( 1 ) مناقب ابن شهرآشوب ج 2 ص 310 .